الثلاثاء، 19 مارس 2013

نظرات خرساء




نظرات خرساء


تائه في أفكاره وهواجسه سحب تذكرة السفر من آلة خرساء، وأسند ظهره الى جدار المحطة الحديدي البارد، ولم يكد يـُـنزل محفظته حاسوبه عن كتفه المنهك، حتى سمع جرس وسيلة نقله الأحفورية يرن من بعيد، معلنا دنو أفعى فولادية شرهة تسعى في شوارع المدينة بلا كلل، تبتلع بأفواهها الجانبية أفواج من الركاب وتلفظ آخرين.
اتخد له ركن قصيا من العربة يقف فيه بعيدا عن نظرات الركاب، حتى مع توفر مقاعد تخدم أجساد الركاب المنهكة وتحتضنها، اختلى أحمد بنفسه، ورفع بيده الحزام مجددا ليزيح عن كتفه حمل الحقيبة الثقيل، وضل حزام أفكاره وهواجسه أثقل من أن يتخلص منه بحركة بسيطة، غائب عما حوله غارق في دجى أفكاره لم يكن من الصعب أن يتبين أحد الركاب من بعيد معالم تلك الحرب الضروس التي تدور في ذهن الرجل، وقد استقبل رأسه الأرض، وتركزت نظراته التائهة في بقعة واحدة من فراغ أرضية العربة، وحاجباه قد ارتفعا وتقوسا، وانكمش لهما ذقنه، يمارس طقوس التفكير في خشوع  يجعله في انقطاع عما يجري حوله، حتى أن مفهوم المكان والزمان يغيبان، ولا يبقى إلا ضجيج من الأفكار تعبث بعقل الرجل.
 بعد دقائق طوال، ودون سابق إندار يقاطعه إحساس لا يعرف منشأه، لم يعبأ به في البداية وحاول أن يصرفه، ولكنه كان أقوى من أن يتجاهله، إحساس يخبره أنه ليس وحيدا تماما.
كطفل مشاكس يحاول أن يثير انتباه والده المنهمك في العمل، فيمهله مرة واثنين والطفل لا يهمله، كذلك كان الإحساس بأنه مراقب يشاغبه ويقطع عنه في كل مرة حبل أفكاره، فلم يرى سبيلا إلا أن ينصاع ويدور برأسه في المكان، ولأول مرة، حدث قوي يشد أحمد استحق أن يقطع حبل أفكاره ويتفرغ له باهتمام وعناية.
وقعت عينه على لوحة فنية لا يملك المرء إلا أن يُسبحن مبدعها، فتاة في مقتبل العمر جلست في إحدى المقاعد على بعد فرسخين منه، جلسة غاية في التهذيب، وقد وضعت الساق فوق الأخرى منشئة ليديها كرسيا ملائكي تستقر عليه، بدت في جلستها المهيبة تلك أميرة تحيط بها هالة من الجمال والوقار، وكان لها شعر أشقر كخيوط الشمس الذهبية تنساب على جنبي وجهها المستدير، وما تبقى منه حقل قمح أوشك حصاده غطى جزء من كتفيها ونحرها، وأنف دقيق بعناية ربانية نحث على صفحة وجهها ، وجه قشدي اللون تشربت خدوده حمرة نعمانية خفيفة، فكانت الفتاة في غنى عن كل مساحيق التجميل وأدواتها، تنهد أحمد تنهديه عميقة وهو يردد في نفسه، لو كانت جميع النساء في حسنها لكسدت سلعة المساحيق وبارت تجارتها، وأغلقت المحلات التي تبيع أقنعة الجمال الكيميائية.
لم يكن هذا منشأ تلك الطاقة التي شعر الرجل أنها تحاول اختراقه، أو ذلك الإحساس المقلق بأنه مراقب، فكلها تفاصيل جمال تضل خرساء إذا ما قوبلت بما توحيه عينين غجريتين واسعتين، بدتا في زرقتهما العميقة كأنهما قطعة من المحيط، وقد اصطفت بجدار جفنيها رموش قائمة، وكأنها جموع من المصلين وقفت مستوية الصفوف ولبست حلة من السواد.
 بطرف عينه أعاد النظر إليها ليجد  أن ابتسامة خفيفة  قد ارتسمت على شفتيها هذه المرة،  أعاد الكرة المرة ، وهو لا يصدق المقام، ولسان حاله يقول "ويحك  إنها نفس النظرة" ، التفت مجددا حوله حتى يتأكد أنه حقا المعني بتلك النظرة، وأنه لم يخطئ زاوية النظر، فلم يجد أحد حوله، وعاد الصوت بداخله يحدثه، "ما أنت بالشاب الوسيم الذي تنشده فتاة في حسنها، ولا أنت من النجوم المشاهير ممن انتشرت صورهم في المجلات وصفحاتها، ولا أنت أحد رجال الأعمال المرموقين، ممن شاعت مشارعيهم في القنوات وأخبارها، وهذا هندامك المتواضع لا هو رسمي يخبر بمنصب أو مهنة تعيش في رغدها، ولا هو أنيق يحدث بثروة في البنوك تكدسها وتحميها..." وغيرها من الهواجس كلها تنتهي بعلامة تعجب أو استفهام؟!

كانت نظرتها عميقة وثابتة ثبوت جلستها، هو سرُّ ذلك الإحساس المقلق، الذي شد أحمد منذ البداية، ، فنزل برأسه يفكر ولسان حاله  يقول قد عرفنا أن العين تبوح بالكثير مما لا يبوح به اللسان، ولكن أن تكون للعين أصواتها ولها في الأفئدة آذانها، فهذا ما خبرته قط، وإلا أنَّا يكون إحساس المرء بأنه مراقب،  فيصدق الإحساس عن غير حواس؟!  ثم ما هذا الجمال الجبار، وما تلك الطاقة التي تحيط به، فتبدو صاحبته على قدر كبير من الثبات والسكينة والوقار؟! قد سمعنا بامرأة من عالم لا يُعرف عنه إلا القليل، كان لها في جمالها سحر يفتن أشد الرجال إيمانا، ويقودهم في النهاية الى حذفهم، أيعقل أنها... وقبل أن يتمم الصوت عبارته ينطلق صوت آخر بداخله ــ إلهي إذا كانت من بني جلدتي والتراب مرجعها تقدمنا منها وعرفنا سرها، وإذا كانت النار منشأها، فوضنا إليك أمرها.. تكفينا شرها.  
تباطأت سرعة العربة، وتململت الأجساد في مقاعدها، وانطلق صوت مألوف يعلن نهاية الرحلة ويدعوا الركاب بكل لطف وتهذيب الى الخروج، فُتح الباب أمام أحمد ودخلت معه نسائم الشتاء الباردة، لتصيب وجهه المشتعل وتنعش أنفاسه المختنقة، قبل أن تعترض مسيرها جموع الركاب الخارجة، وقبل أن يرفع أحمد حقيبته انتبه أن الفتاة ولأول مرة طوال الرحلة  تزيح  بنظرها عنه لتحرره أخيرا، ولكنه لاحظ أيضا أن الفتاة وإن اضطربت حركاتها فقد ضلت جالسة ولم تبدي أي استعداد للخروج، وقد خرج معظم الركاب فقرر أن يتقدم منها.
لم يكد يخطو خطوته الأولى حتى انتبه الى أنه ليس الشخص الوحيد الذي يطلب الفتاة، فامرأة أخرى على تقدم سنها احتفظت بنظارة جمالها، ومن أناقة لباسها المتناسق الألوان وتسريحة شعرها الأشقر بدت شديدة العناية بجمالها، تجاوزت الصفوف تتقدم نحو الفتاة وعندما وقفت بقربها تبين أحمد الشبه الكبيرة بينهما.
سحبت الفتاة بإحدى يديها حزمة قضبان معدنية كانت موضوعة بالقرب منها، وأنشأت تباعدها عن بعضها وتفتحها بعناية الواحدة تلوى الأخرى حتى تساوت جميعها في عصى واحدة طويلة،  ينتهي عند أحد طرفيها خيط أبيض أقحمت الفتاة يدها اليمنى فيه وأحكمت إمساك العصى وأحاطت بيدها الأخرى مرفق المرأة، واستدارت نحو الباب ومعها دارت نظراتها الفارغة، ومشتا معا بخطى حذرة  صواب الباب... 

أما أحمد فقد تصنم في مكانه بلا حراك وكأنه تمثال من الشمع، وما كاد يستوعب الموقف حتى سرت الحمى في جسمه وتعرق لها وجهه، فوهنت قوته، وخانتاه ركبتاه فاضطرب في وقفته وطلب أقرب مقعد يجلس فيه، فكان نفسه المقعد الدافئ الذي تركته الفتاة، وهنا عاودته من جديد أفكاره وهواجسه بعلامات الاستفهام والتعجب..

هناك تعليق واحد: