الثلاثاء، 19 مارس 2013

        

 

…لم يتجاوز بعد ثلاثة سنوات جلس أمام الباب عند عتبة الدار, وأخد يخط على تربة مبللة بأنامله الصغيرة رسما لأسرة من ثلاثة أفراد, أم وأب وولد بينهما يشد بيدهما وكأنها سلسلة مترابطة, لم يكد ينتهي من الرسم حتى مر عليه رجل خارجا من الدار , ربت على رأسه متجاوزا إياه, وقد ألقى بعقاب سيجارة من يده, وتابع المسير وهو يرتب ملابسه ويهذبها, حدق الولد فيه بإعجاب, قبل أن ينزل ببصره الى الرسم, فإذا بعقاب السيجارة يصيب رسم الأب ويفسده, وقف الصغير بخفة وقد تبدلت سحنة الحزن على محياه الى ابتسامة رقراقة, تألقت معها تلك اللمسة الملائكية المسماة (براءة).., جرى الولد خلف الرجل يصرخ أبي.. أبي, على أن هذا الأخير لم يكد يراه مقبلا حتى انسل بجسمه النحيف بين الأزقة مسرعا, وبعد دقائق من البحث لم يحصل الولد عليه, عاد - مرة أخرى- متثاقلا الخطى مطأطأ الرأس.
     
اليوم التالي وكالعادة جلس أمام الباب, وأخذ يرسم مجددا بعدما أزال ما بقي من عقاب سيجارة البارحة… رسم الأم والطفل, ولكنه توقف عاجزا عن إتمام الرسم ,يرفض أن يرسم صورة الرجل النحيف الطويل, مجددا. وهو على تلك الحال إذ برجل مكتنز البنية قصير القامة دو شارب عريض, يدخل الدار وقد ابتسم للصبي ابتسامة خفيفة, تهلل وجه الصغير لتلك الابتسامة وكأنه عثر على كنز ثمين, وعاد ليتمم رسمه, بمرح وخفة, مرة ساعة تلوى الأخرى وهو لا يزال يهذب ما خطته يده, ويزين تفاصيله ويسطر حواشيه, انتهى الصغير من الرسم وتطلع الى رسم الرجل متأملا إلى قامته القصيرة, فبانت على محياه سعادة وانفرجت عن فمه ابتسامة تفتح الآمال, خرج بعد ذلك الرجل, بعد فترة لم يعرف الولد كم بالتحديد, فلا فرق بين الساعة ونصف النهار, خرج وهو يحمل بيده قنينة خضراء شبه فارغة رمى بها أمام الولد, دونما أدنى اكتراث وسار عبر ظلمات الزقاق يتمايل ويغني, تابع الولد تدحرج الزجاجة الى ما بين قدميه خرج منها ذاك السائل المألوف يصيب الرسم ويمحي أثره, لم يأسف الصغير لهذا بل تبع الرجل يناديه أبي .. أبي انتظرني أنا قادم… والرجل لا يستجيب, إلا بعد ما وصل إليه وأخد يشد على قميصه, صارخا أبي لماذا لا تتوقف.., انتظرت كثيرا.. صرخت كثيرا.. جريت كثيرا.. لما لا تتوقف أبدا.., كان الرجل يحدق في وجه الولد مندهشا وعبارة أبي تتكرر على مسامعه, دفعه عنه بعنف حتى سقط على وجهه مجروحا, وما لبث الصبي أن استجمع وقفته وتبعه مرة أخرى , وفي لحظة تحولت دهشة الرجل الى حيرة ممزوجة بالغضب, دفعه مرة أخرى وهو يقول: ( سير تلعب لهيه آ ولد الحرام..).., وابتعد مهرولا وكأن ليس به سكر..
بعد سنة رحل الولد صحبة أمه الى حي جديد من أحياء المدينة القديمة ودار من دورها, توالت السنين, وبعد 14 سنة عاد مجددا وقد  اشتد صاعده وتمددت عضلاته وغدا رجلا. عاد الى الحي الذي ازداد فيه وقد دخله ليلا والناس نيام يحمل بيد قنين خضراء, وبيد أخرى سكينة طويلة, وبحافة أدنه علق سيجارة أخرى, كان يسب, يهدد, ويتوعد, زارعا الرعب في سكان الحي, يصرخ ( من كان فيكم رجلا..فليخرج إلي..)..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق